ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

512

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

بعضهم أخطئوا في قياسهم ، وجوّزا على اللّه ما لا يجوز ، وهو ترك العمل بالحكم والإيجاد كيفما اتفق ، فعدل عن هذا القول إلى نفي الإمكان ، ( وإثبات الوجوب بالذات وبالغير ، وسدّ ) باب الجواز أصلا ، وهو في نفسه ذوق ؛ لأن الإمكان حكم وهمي لا معقول ، لا في اللّه ولا في الخلق المسمّي ممكنا ، فإنه لا يعقل هذا المسمّى أبدا إلا مرجّحا ، وحالة الاختيار لا يعقل إلا بترجيح ، ولا ترجيح . وهذا غير واقع عقلا لكن يقع وهما ، والوهم حكم عدمي ، فما ثمة إلا واجب بذاته ، أو فمشيئته الأشياء واحدة ، وإذا زال الإمكان زال الاختيار ، وما بقي سوى عين واحدة ، وما عندها إلا أمر واحد في الأشياء . قال اللّه تعالى : وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [ القمر : 50 ] ، فافهم . فلما كان هذا الوجه من النظر أولى من الوجه الأول ، فسمّاهم النظّار بصيغة المبالغة بخلاف الأول ، فإنه قال فيهم : أهل النظر ؛ لهذا السر الذي عرفته . ( والمحقق وهو ) الذي تحقق بالوجود ، ورأى الأشياء بالحق فيه ذوقا لا كشفا ، فإنهما يكفيان ويشفيان فيه ، فإنه ( يثبت الإمكان ) حضرة مستقلة بين الحضرتين : حضرة الوجوب ، وحضرة الامتناع والمجال . ( ويعرف ) بالذوق ( حضرته ، وهي العدم ) المضاف حضرة متوسطة برزخيّة ، وهي حضرة المثال المتحقق ، المسمّى بحضرة الخيال المطلق ، وهي على الحقيقة حضرة الوجوب من حضرات الحس . فلهذا يلحق المعاني بالمحسوسات في الصورة حتى يتخيّل بالمحال محسوسا ، والخيال في الدرجة الأخيرة من الحس ، فإنه يأخذ ما يكسوه من الصور للمحال وغيره ، بل للواجب . كما ورد في الخبر الصحيح : « أن تعبد اللّه كأنك تراه » « 1 » فأعطي الواجب حكم الممكن في وهم التصوير ، فافهم .

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 1 / 27 ) ، ومسلم ( 1 / 37 ) ، وأبو داود ( 4 / 223 ) .